محمد حسين علي الصغير
126
أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم
الكريم ما منح الشبه الاستعاري من الذهني إلى الحسي . وبالامكان تقريب هذا الجانب بما يأتي : 1 - قوله تعالى : حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ . . . « 1 » فالأخذ والتزين عمليتان ماديتان محسوستان ، والأرض لا تأخذ بالزخرف ، ولا هي بقابلة للتزين بذاتها ، ولكنها الاستعارة التي تهب الحياة للجماد ، وتمنح التصرف للموات حتى عدت الأرض : « آخذة زخرفها على التمثيل بالعروس إذا أخذت الثياب الفاخرة من كل لون واكتستها وتزينت بغيرها من ألوان الزين » « 2 » . فكما تتزين الغادة ، وتتجلى الحسناء ، تتزين هذه الأرض وتأخذ زخرفها بالمعنى المشار إليه ، وكلا الموضعين حسيان . 2 - قوله تعالى : يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ . . . « 3 » أخذ فيه الشبه من حسي إلى حسي ، قال الرضي : « وهذه استعارة ، والمراد ، يكاد يذهب بأبصارهم من قوة إيماضه وشدة التماعه » « 4 » . فاستعار الخطف ، وهو الأخذ بسرعة متناهية للتعبير مقاربة ذهاب البصر بشدة الإيماض ، وهما حسيان . 3 - عد الشريف الرضي من الاستعارة « 5 » . قوله تعالى : اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ . . . « 6 » فالريح ليس بها قوة الاشتداد والجري ، وهما مما يوصف بهما الجسم المتحرك القادر بالإرادة ، ولكن استعير هذا اللفظ لحركتها وهبوبها ، تسخيرا ، ووجه الشبه الاستعاري فيه حسي وهو الاشتداد إلى حسي وهو الريح . الأصل الثالث : وهو أخذ الشبه الاستعاري من معقول إلى معقول ، وهو مقتضب فيما
--> ( 1 ) يونس : 24 . ( 2 ) النسفي ، مدارك التنزيل : 2 / 12 . ( 3 ) البقرة : 20 . ( 4 ) الشريف الرضي ، تلخيص البيان . ( 5 ) المصدر نفسه : 184 . ( 6 ) إبراهيم : 18 .